ابن ميثم البحراني
397
شرح نهج البلاغة
أراد بذلك مكَّة - شرّفها اللَّه تعالى - وقيل : بيته وقبيلته ثمّ ميّزه بما هو أخصّ وأشرف فقال : من الشجرة الَّتي صدع منها أنبياءه فاستعار لفظ الشجرة لصنف الأنبياء ، وكما أنّ الشجرة أشرف من طينتها كذلك صنف الأنبياء أشرف من قوابل صورهم ، ووجه الاستعارة هو ما كنّى بالانصداع عنه من تفرّع أشخاص الأنبياء عن صنفهم كما يتفرّع أغصان الشجرة منها . وأمناءه : أي على رسالته . وقوله : عترته خير العتر وأسرته خير الأسر . بدء بالعترة لما عرفت أنّها أخصّ وأقرب من الأسرة ، ومصداق أفضليّة عترته قوله صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : سادة أهل المحشر سادة أهل الدنيا أنا وعلىّ وحسن وحسين وحمزة وجعفر . ووجه أفضليّة أسرته قوله صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : إنّ اللَّه اصطفى من العرب معدا ، واصطفى من معد بنى النضر بن كنانه ، واصطفى هاشما من بنى النضر ، واصطفاني من بني هاشم . وقوله صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : قال لي جبرئيل : يا محمّد قد طفت الأرض شرقا وغربا فلم أجد فيها أكرم منك ولا بيتا أكرم من بني هاشم . وقوله صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : الناس تبع لقريش برّهم لبرّهم وفاجرهم لفاجرهم . وقوله : وشجرته خير الشجر . قيل : أراد بالشجر في الموضعين إبراهيم عليه السّلام ، وقيل : أراد هاشما وولده بقرينة قوله : نبتت في حرم وأراد مكَّة ، ورشّح تلك الاستعارة بوصف الإنبات والبسق ، وكنّى بالكرم الَّذي فيه عن زكاء أصله وما استلزم من الفضل ، وكنّى بالفروع عن أهله صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم وذريّته وساير النجباء من بني هاشم ، وبوصفهم بالطول عن بلوغهم في الشرف والفضل الغاية البعيدة ، وهو ترشيح للاستعارة . وكذلك الثمر ، وكنّى به عن العلوم والأخلاق المتفرّعة عنه وعن أئمّة أمّته ، وبكونها لا تنال عن شرفها وغموض أسرارها : أي أنّها لشرفها وعلوّها لا يمكن أن يطاول فيها ، وأو لغموض أسرارها لا تصل الأذهان إليها . وقوله : فهو إمام من اتّقى . إلى قوله : لمعه . استعار لفظ البصيرة والسراج والشهاب والزند له صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، ووجه الاستعارة